ذاكرة صغيرة .بقلم .عاشورحمد عثمان.ليبيا

 (ذاكرة صغيرة)

صحوتُ ذات صباح

كنتُ أعلى الخِزانة ضئيلا 

وبقفزةٍ واحدة

أصبحتُ ملتصقا بالمرآة

أشاهدُ الأشياءَ بوضوح

لكن بذاكرةٍ صغيرة

أرى البيوتَ تنتصبُ بلا هوية

والشوارعَ مساربٌ لا تنتهي

كلُّ شيءٍ يبدو ضخما

أو مُرتفعا 

أو يتماهى في الفراغ

لا أعلمُ كيف تحولتُ إلى حشرة

لها القُدرة على الطيران

والمكوثُ قليلا على موائدَ الحُقراء

تتحسّسُ عقولَهم الموبوءة 

وأن تحطَ على أنفِ من شاءتْ

وعلى القصور المُترعة بالتخمة  

وعلى الأرْصفةِ التي تشْتكي أقدامَ الحُفاة

وبين المقامرين على لحْظةِ فرح 

لاحتضانِ رغيفِ خبزٍ بحباتِ العرق  

 في المخادعِ المُزدحمة بحُمَّى الغرائز

 بين الأفخاذ المُكتنزة من طولِ المكوث

على السرائرِ الوثيرة

في عقولِ من يبيعون الأكْفانَ للتعساء 

بأي ثمنٍ، ويرددون: 

 كل امرئٍ عند الله بما كسبَ من مِحَن

أنا الآن تقلّصتُ بحجْمِ ذُبابة

اجتازُ الفراغَ خفيفا

لا أحد يُعيرها انتباها

لكنها

تعلم أنَّ  الفقيرَ يقْتاتُ على جوفه الضامر 

و أقنعوه أن الفقَر ليس عيبا 

وأنه طريقُ الصابرين

تعرف أنهم أوهموه

 بأن الدنيا  الصبرُ على من غلبْ

والحياة لِمن استغنى 

هو مركون على أرْففِ النسيان 

وأن الجُرفَ تحول إلى غُراب

يصلُ نعِيقه أسماع الفقراء الغافلين

خدعوه بأنَّ الحمائمَ اعتادتْ البُكاء

ولم تعد قادرة على الغناء

وظلال الأشجارِ تلاشتْ

والشمس أصبحتْ عارية

غرقَ نورُها في كهوفِ الظلام

 فأشجار الزيتون تلك 

لم تعد مُعمرة كما كانتْ 

اعتادتْ الصمتَ وحيدة

ثم احترقتْ أغصانُها 

وسطَ هذا الجنون


عاشور حمد عثمان/ ليبيا

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مبارك من القلب الدكتوراه الفخرية. د.عبد العزيز الدخيل.

((أوفياء الثقافة)) مهداة إلى أوفياء هذا الصرح الأدبي النقي وسادنه التقى الوفي الشاعر الوقور فضيلة الدكتور عقيل درويش