قل لي بربك. بقلم. د.عقيل علاء الدين درويش. الأديبة الناقدة و المدققة اللغوية: الدكتورة/ نجاح العالم السرطاوي أيقونة البيان و سفيرة السلام عضو اتّحاد الكُتّاب و الأدباء الأردنيين
بسم الله الرحمن الرحيم
يسعدني أن أضع بين أيديكم قراءتي النقدية لهذه القصيدة النثرية :
" قُلْ لي بربّكَ "
للشاعر المبدع الدكتور : "عقيل درويش"
*** قلْ لي بربكَ ***
قلْ لي بربكَ
الذي تعبدهُ يا قلبُ
أليسَ هواها
بعدَ الخالقِ لهُ تخشعُ
ألستَ تَدعو
أن يزيدكَ اللهُ حبًّا لها
و كلما زادَ
تفيضُ شوقًا و عن
حبِّها لا تُقلعُ
وحينَ يمرُ طيفُها
بذهنِكَ تهلعُ
تتسارعُ نبضاتُكَ
تائهةً
بينَ مشرقٍ و مغربِ
ألقلبكَ ترجعُ
أم لقلبِها تتبعُ
والصدرُ
هاجَتْ أنفاسُهُ
عواصفَ حنينٍ
كمْ لها تتجمعُ
زفيرُ عشقٍ
يهبُّ إلى عبقِها
أتظنُّ أنَّهُ سيبقى
في رئتيكَ شهيقٌ
أما علمتَ
أنّ كلَّ ذراتِ الهواءِ
لها تخنعُُ
والعينُ
عَجفَّ دمعها
أرهقَتْ هُدبَها
متأهبةً لرؤياها
والرموشُ انحنتْ
إرهاقًا
سرابُ واحةٍ عطشى
ببريقِ عينيْها
تحيا و تسطعُ
يترقرقِ الدمعُ
فرحًا بمحياها
يسقي العينَ
وَهِيَ لهُ المجرى
والمنبعُ
الجسدُ
أعياهُ حنينُهُ
هرمَ بذكرياتِهِ
كمْ ضمَّها بحناياهُ
و تنشَّقَ أريجَها
كمْ داعبَتْ و جنتيْها
شِفاهُهُ
وكمْ قبلَتْ بشِفاهها
وجنتيْهِ
كمْ خيمَتْ بشعرِها
تخفي رأسَهُ
و شهدُ ريقِها
بثغرِهِ ترياقًا
جسدٌ معذبٌ بحبِّها
هيامهُ غيورٌ
لا يشفعُ
قلْ لي بربِّكَ
الذي تعبدُهُ يا قلبُ
أليسَتِ الروحُ
بعدَ خالقِها لها تخضعُ
تُنهي صلاتَكَ للهِ
و تسجدُ شكرًا
أنكَ تهيمُ بها
ومنْ غيرُها بشرٌ
لها تركعُ
وأجملُ الكلامِ بعدَ كتابهِ
من همسِها تسمعُ
عبدتُ اللّهَ فطرةً و يقينًا
وآمنتَ أنَّها جنتُكَ
بدنياكَ
فهلْ بالجنانِ
المتيمُ يعذبُ
رحماكَ ربي بقلبٍ
من هجرِ حبيبةٍ
غاصَ في القاعِ متوجعُ
بينَ جنةٍ و نارٍ
غرامُها يتربعُ
أحجُّ إليْها
بكلِّ ثانيةٍ
لأتوبَ عن حبِّها
وأنالَ منها قبلةً
تفيضُ الروحُ بعدَها
وأنعمُ بالوداعِ
جسدٌ متيمٌ بقبرِهِ
أذانَ رحيلِهِ
يصلُها و لا يرفعُ
د.عقيل علاء الدين درويش
من هنا أبدأ قراءتي للقصيدة:
كالنسيم العذب و النبع المتدفق الصافي النقي تنهمر على قلوبنا و على مسامعنا روائعك شاعرنا الراقي أسعدك الله
هكذا أنت تتحفنا دائمًا بقصائدك و عطاياك إحداها تلو الأخرى تنافسها في السحر و التألق و التميز و البهاء فارتقت حروفك لتعانق عنان السحاب
ما أروع عنوان قصيدتك "قلْ لي بربّكَ" و ما أبهاه حيث شفّ عما في قلبك من من حبٍّ و من عشقٍ و من هيام لصاحبة القصيدة و ما تكنُّه لها من مودّة و عشق و من ذكريات حلوة سعيدة
فكان الغرض الأول في القصيدة هو "الغزل" ثم تطرّق إلى "الشّوقِ" و الحنين و الشكوى من صدّ الحبيبة و هجرانها لك و ما آل إليه حالك بسبب ذلك
أبدعت في التشخيص في العنوان "قُلْ لي بربّكَ" حيث استخدمت أسلوب القسم و الحلفان بالله سبحانه و هنا تبرز باء القسم أو الحلفان أي أحلّفكَ بربّكَ أن تقول الحق "بربّكَ" و هنا لا يوجد مجال للإنكار و ذلك تكرر في القصيدة للتأكيد على حبك لها من خلال هذا الحوار الدائر بينك و بين قلبك و قد اتخذت منه شخصًا أو صديقًا تخاطبه و تشكو له حبك في عبارات تدل على مقدار حبك و عشقك لحبيبتك حيث جعلت حبك لها بعد حبك لله سبحانه و هذا هو أقصى غايات العشق و الهيام كما في قولك و قد سألت قلبك بأسلوب النفي ليكون هو نفي النفي أي الإيجاب و التأكيد بحرف الجواب "بلى" و هنا تأكيد أيضًا على إيمانك و عبادتك لله سبحانه دون سواه في قولك "الذي تعبده" :
قلْ لي بربكَ
الذي تعبدهُ يا قلبُ
أليسَ هواها
بعدَ الخالقِ لهُ تخشعُ
ألستَ تَدعو
أن يزيدكَ اللهُ حبًّا لها
كما و تشكو له من الشوق الشديد لها حتى مجرد مرور خيالها في بالك تزداد نبضاته دليل على سرعتها من شدة الشّوقِ و تتهم قلبك بأنه ملك لها و ليس ملكًا لك كما في قولك:
وحينَ يمرُ طيفُها
بذهنِكَ تهلعُ
تتسارعُ نبضاتُكَ
تائهةً
بينَ مشرقٍ و مغربِ
ألقلبكَ ترجعُ
أم لقلبِها تتبعُ
ثم تصف له هيجان أنفاسك في صدرك و هنا تشبيه رائع بليغ حيث تشبه أنفاسك أنها هائجة جامحة و تشبهها بالعواصف التي تضرب كل شيء أمامها من شدة قوّتها و ثورتها و كذلك هي أنفاسك المتلاحقة المتضاربة الثائرة :
والصدرُ
هاجَتْ أنفاسُهُ
عواصفَ حنينٍ
كمْ لها تتجمعُ
زفيرُ عشقٍ
يهبُّ إلى عبقِها
و هنا تسأل قلبك في استنكار و تعجب أنه حتى الهواء في رئتيك لن يبقى على حاله لأنه خانع و مطيع لأمرها و ليس ملكًا له كما في قولك :
أتظنُّ أنَّهُ سيبقى
في رئتيكَ شهيقٌ
أما علمتَ
أنّ كلَّ ذراتِ الهواءِ
لها تخنعُُ
ثمّ بعد ذلك شكوت له جفاف دموع عينيك و وصفك هنا يثير عاطفة "الحزن و الشفقة" على ما آل إليه حالك من هجرها فقد جفَّتْ دموعك لكثرة انهمارها بسبب بعدها و الأهداب ارتخت و الرموش انحنت من شدة الإرهاق و السهر و الشّوقِ لها كما في قولك:
والعينُ
َجفَّ دمعُها
أرهقَتْ هُدبَها
متأهبةً لرؤياها
والرموشُ انحنتْ
إرهاقًا
ثمّ تصف حالة اليأس التي أنت فيها و عطشك لرؤيتها و تشبه حالتك بالسراب الذي استحال إلى أرض قاحلة جافة لا ماء فيه لأنها كانت تحيا من بريق عيني الحبيبة الذي شبهته بالنبع الذي يمد عينيك بالماء ليتكون الدمع كما في قولك:
سرابُ واحةٍ عطشى
ببريقِ عينيْها
تحيا و تسطعُ
يترقرقِ الدمعُ
فرحًا بمحياها
يسقي العينَ
وَهِيَ لهُ المجرى
والمنبعُ
و بعد ذلك تعرّج على الجسد و تصف ما حدث له من عجز و هرم و ضعف و وهن بسبب بعدها عنك و شوقك لها و تحنّ إلى ذكرياتك معها و تصف ما كنتما فيه من سعادة غامرة و هناء كبير و هنا تبرز عاطفة "الحنين" إلى جانب عاطفة الشّوقِ :
الجسدُ
أعياهُ حنينُهُ
هرمَ بذكرياتِهِ
كمْ ضمَّها بحناياهُ
و تنشَّقَ أريجَها
كمْ داعبَتْ و جنتيْها
شِفاهُهُ
وكمْ قبلَتْ بشِفاهها
وجنتيْهِ
كمْ خيمَتْ بشعرِها
تخفي رأسَهُ
و شهدُ ريقِها
بثغرِهِ ترياقًا
جسدٌ معذبٌ بحبِّها
هيامهُ غيورٌ
لا يشفعُ
ثم تسأل قلبك مرة أخرى بأسلوب النفي للتأكيد على الإيجاب في الجواب و أن منزلة الحبيبة تأتي في المنزلة الثانية بعد الله سبحانه في الركوع و بعد كلمات الله تأتي منزلة همسها و حبها لك و هو الذي تسعد به روحك بعد سعادتها بقربها من الله سبحانه و هذه المشاعر محصورة بها فقط دون سواها من النساء كما في قولك:
قلْ لي بربِّكَ
الذي تعبدُهُ يا قلبُ
أليسَتِ الروحُ
بعدَ خالقِها لها تخضعُ
تُنهي صلاتَكَ للهِ
و تسجدُ شكرًا
أنكَ تهيمُ بها
ومنْ غيرُها بشرٌ
لها تركعُ
وأجملُ الكلامِ بعدَ كتابهِ
من همسِها تسمعُ
و بعد ذلك تؤكد أن عبادتك لله سبحانه نابعة من فطرتك و يقينك الثابت بالله و أن الله سبحانه وهبها لك لتكون جنتك في الحياة الدنيا، و لكن أين هي هذه الجنة الآن ؟
لذلك فأنت تشكو لله سبحانه أن جنتك هجرتك، و ها أنت تتعذب من هجرها رغم أنها مازالت تتربع في قلبك الذي غاصَ في القاع بسبب هجرها، لا هو في الجنة و لا هو في النار كما في قولك:
عبدتُ اللّهَ فطرةً و يقينًا
وآمنتَ أنَّها جنتُكَ
بدنياكَ
فهلْ بالجنانِ
المتيمُ يعذبُ
رحماكَ ربي بقلبٍ
من هجرِ حبيبةٍ
غاصَ في القاعِ متوجعُ
بينَ جنةٍ و نارٍ
غرامُها يتربعُ
و ما أروع وصفك هنا في المقطع الأخير حيث شبهت السعي خلفها لنيل رضاها بالحج لكثرة الدعاء و الشّوقِ لعودتها و قد نال من جسدك الإرهاق و أخذ منه أشدّ مأخذ حتى صار في حكم الميّت و لن ينقذه إلا عودتها لهذا الجسد و هنا تبرز عاطفة " اليأس و الحرمان" التي أدت إلى الموت لأنها لم تستمع لشكواه
لله درك شاعرنا؛ ما أروع ما سطّر يراعك في هذه السيمفونية الحالمة اليائسة و الحروف العذبة المموسقة من عشق إلى شوق إلى حنين إلى هجران إلى يأس
لقد رسمت لوحة حية ناطقة معبرة بالحركة و اللون و الصوت فكانت أجمل لوحة لتعبر عما يعتري قلبك و جسدك من آلام و أحزان بسبب هجر الحبيبة لك
أسلوبك راقٍ مشوق متميز بالصور التعبيرية و الأدبيةِ و الفنية أبرز ما خط يراعك في هذه الصفحات المزينة بأروع التشبيهات و التشخيص و التجسيد لنستمتع بحروفك الندية و كلماتك البهية و نرتشف منها الإبداع فكانت كالمنهل العذب الرقيق الرقراق الذي أغدقَ علينا بصفائه و عذوبته
لقد كتبت فأحسنت التعبير و صوّرت فأبدعت التصوير و أبدعت حتى فاق إبداعك الإبداع
تميز إحساسك بالعاطفة المتدفقة و المشاعر الصادقة للحبيب الذي أغرق نبضك و زاد فيه شعلة من شوق و غرام، لذلك تميز أسلوبك بجزالة في الألفاظ و عذوبة في الحروف و تنوع في العاطفة بمتانة في المبنى و جودة في المعنى أضفت على الرقي رقيًا و رفعت سقف الإبداع بالجودة و البيان
أهنئك على روائعك و إبداعاتك و أتمنى لك المزيد من التألق و التميز و الإتقان
بالتوفيق لك دائمًا شاعرنا المبدع
بارك الله فيك و بارك في حروفك الرقيقة العذبة
كل التحية لك مني و كل التقدير و الاحترام
الأديبة الناقدة و المدققة اللغوية:
الدكتورة/ نجاح العالم السرطاوي
أيقونة البيان و سفيرة السلام
عضو اتّحاد الكُتّاب و الأدباء الأردنيين
تعليقات
إرسال تعليق