قصة قصيرة. وطن سجين! .بقلم: للكاتب أ/ نجيب صالح طه ( أمير البؤساء اليمن).
قصة قصيرة
للكاتب أ/ نجيب صالح طه ( أمير البؤساء اليمن).
وطن سجين!
وجدوه، خلف قضبان حرية التعبير عن الرأي، بعد بضعة أشهر من اختفائه المفاجئ، اشتبهت فيه عيون زائريه بداية، انهمرت الدموع عندما أبصرته قلوبهم.
في أولى جلسات محاكمته :
_القاضي : أأنت من كتب تلك المقالات التي تنقد فيها الحكومة،وتتهمها بالظلم والفساد،و.....
_ لا سيدي القاضي.!
_ لكن اسمك ولقبك،وصورك على الجريدة.!
_ المتهم : هو تشابه أسماء،
أما الصور،
فبربك قل لي أنت :
بماذا أشبه ذلك البدين، ذي الشعر الأسود، تلك ليست صوري.!
_ إذن من أنت؟
_ أنا من استدللتم به مرة على نهضتكم العلمية الفكرية،وأخرى بكتاباته على حرية التعبير عن الرأي، وثالثة قبل أيام، زارتني منظمة ما، والتقطت لي أكثر من صورة ولست أدري حتى الآن علام ستستدلون بهن هذه المرة.!
_ أووووه سيدي : هل أعرفك ؟
أعتقد أنك تشبه أحد طلابي البلداء، الذين درستهم في الثانوية، في إحدى المدارس الأهلية الخاصة،
تذكرت ، نعم، نعم،
اسمك ولقبك هو اسم ولقب تلميذي نفسه..!
ارتبك القاضي، تقطب جبينه، تقوس حاجبه، ابتلع جرعة حرجه،
_ لا، لا،
لم أكن من طلابك يوما ما،
ربما هو تشابه صور وأسماء،لا أكثر،
أمر القاضي بإعادته للسجن، مشددا على ضرورة الاهتمام به، وتغذيته جيدا، وبعد بضعة أشهر أخرى، عاد وقد انتفخت خدوده، وترهل بطنه أكثر، بينما اكتست عظام المتهم ببعض اللحم إلى حد ما،
_القاضي مبتسما :
والآن، هل أنت هو أم لا؟
_ المتهم :
أريد القاضي الذي حاكمني قبل أشهر قليلة، والذي أشبه أحد طلابي، ويشبهك إلى حد كبير.!
_ أنا هو ذلك القاضي، وقد قلت لك حينها : ربما أن ذلك تشابه صور وأسماء لا غير.!
_التفت المتهم لقاعة المحكمة:
هل عرفتم بعض أسباب المجاعة في بلدي ؟
ضجت القاعة بالضحك،
_ اتسعت حدقات القاضي، كادت مطرقته أن تكسر سطح منصتهم المرتفعة :
_محكمة..
هدوء وإلا أمرت بحبسكم جميعا!
_ماذا تقصد أيها السجين؟
_ قصدت أننا في نعمة ورخاء، والدليل أنت، ومن بجوارك صوركم الدسمة دلالة كافية، على ما نحن فيه من عز وتقدم وتحضر وشبع،
_ القاضي والآن قل لي:
هل أنت هو أم لا؟
_ لا سيدي ذلك ليس أنا!
هو تشابه أسماء وصور_ كما قلت أنت _ وقد صدقت، بدليل أني ظننتك قاضيا آخر!
ثم قال لجميع الحاضرين :
هل ترون أني ،ذلك الشخص الذي ساءله القاضي في الجلسة الأولى؟
تنوعت الإجابات:
_ ( لا)!
_ تشبهه قليلا
_ الأكثر : نعم أنت هو.!
أسكتت المطرقة وعيون القاضي ذلك الضجيج مجددا،
_المتهم : اختلاف الروايات يبطل صحة كوني هو سيدي القاضي!
أعادوه لزنزانته الانفرادية، ومارسوا فيه برتوكولات الاستجواب السياسي في غرف مغلقة،
اشتد ضعفه، بان هزاله، غارت عيناه في نفقي جمجمته سريعا،
استبدلوا القاضي بآخر في الجلسة الأخيرة.
_ أأنت...؟
لا سيدي القاضي، لست أنا،
لست أنا...
الذي تطلبونه كان هنا أمام قاض آخر، يشبهك في خدوده المنتفخة الدالة على جهود الحكومة في محاربة الفقر والجوع،
سيدي أين ذهب القاضي السابق؟
_ لقد تم تعيينه وزيرا للعدل.
_ المتهم : مبارك لوطن من أجل الوزير.
_ سأبلغه تهنئتك!
تضج المحكمة بالضحك،
المتهم يهمس: شهاب الدين أضرط من أخيه!
_القاضي : إن اعترفت فأسخفف عنك الحكم،
_بماذا أعترف ؟
وأنا لست هو،
وهو ليس أنا!
وكلانا واحد يرتجي وطنا؟
لا أطالبكم، بالتخفيف من الحكم، بل أرجوكم، أن تحكموا علي بالسجن المؤبد.!
_القاضي مندهشا : ولماذا؟!
أشار لقاعة المحكمة ثم قال :
لأني كنت سجينا في الخارج كمعظم هؤلاء الذين قالوا : ( نعم أنت هو)،!
ثم أفرج عني قلمي وفمي، فدخلت سجن الحرية، وفيه عرفت وتنفست معناها أكثر، فهو أحب إلي مما تدعوني إليه، أريد البقاء في السجن مع الأحرار، فهو المكان الوحيد الذي يؤكد عدالتكم، في كل شيء وبخاصة،في عدم اغتصاب الرأي، ومصادرة حرية التعبير، وسلب الإرادة.
نطق القاضي بنص الحكم، برأه من كل التهم الموجهة إليه،
اختفى هذه المرة، ما وجدوه قط!
ابتعلت الكلاب الضالة عظامه، بقي حيا، على الجدران بصوره التي استدلوا بها على المجاعة في بلده.
انتهت.
أ/ نجيب صالح طه( اليمن)_ أمير البؤساء
#تنبيه :
معشر النقاد والأدباء العرب، الكاتب حاول في قصته تلك التمرد على قواعد الحوار ونسبيته المحددة والمشروطة، في القصة القصيرة الحديثة،فمنذ (بلزاك)، وحتى القاص السوداني ( #ابراهيم اسحاق)، وربما المدرسة الواقعية تقر بضرورة أن يكون الحوار مختصرا، وجزئيا، ومن حوار سابق مع الأديب الناقد ( #محسن الطوخي)، والقاص ( #عبدالله جعيلان) والأديب (#محسن خزيم) وآخرون في واحتهم القصصية الجميلة، أحببت أن أخوض تجربة جديدة متمردة على قواعد النقد الموضوعي، المقلة من شأن الحوار، فكتبت تلك القصة القصيرة،من وحي قصة قصيرة جدا لي كتبتها ونشرتها ووثقت في بعض المواقع الأدبية المعتبرة، بعنوان ( عبث)، وهنا حولتها لقصة قصيرة عنيت بالحوار فيها أكثر من السرد على عكس المألوف، محاولا التكثيف والإيحاء فيه بقدر ما استطعت،ولن تكون أول تجربة بإذن الله. وأشرت لبعضكم مرحبا بآرائكم ونقدكم. وإثراءاتكم بغية الفائدة العامة.
نجيب صالح طه ( أمير البؤساء)_ اليمن.
تعليقات
إرسال تعليق